أحمد بن أعثم الكوفي
252
الفتوح
فجعل يقول ويحتج ويتكلم بما يريد ، وابن عباس ساكت لا يكلمه بشيء ، حتى إذا فرغ من كلامه أقبل عليه ابن عباس فقال : إني أريد أن أضرب لك مثلا ، فإن كنت عاقلا فافهم . فقال الخارجي : قل ما بدا لك . كلام ابن عباس للخارجي وما كان من رده عليه فقال له ابن عباس : خبرني عن دار الإسلام هذه هل تعلم لمن هي ومن بناها ، فقال الخارجي : نعم ، هي لله عز وجل وهو الذي بناها على أيدي أنبيائه وأهل طاعته ، ثم أمر من بعثه إليها من الأنبياء أن يأمروا الأمم أن لا تعبدوا إلا إياه ، فآمن قوم وكفر قوم ، وآخر من بعثه إليها من الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فقال ابن عباس : صدقت ، ولكن خبرني عن محمد حين بعث إلى دار الإسلام فبناها كما بناها غيره من الأنبياء هل أحكم عمارتها وبين حدودها ، وأوقف الأمة على سبلها وعملها وشرائع أحكامها ومعالم دينها ؟ قال الخارجي : نعم قد فعل محمد ذلك . قال ابن عباس : فخبرني الآن عن محمد هل بقي فيها أو رحل عنها ؟ قال الخارجي : بل رحل عنها . قال ابن عباس : فخبرني رحل عنها وهي كاملة العمارة بينة الحدود أم رحل عنها وهي خربة لا عمران فيها ؟ قال الخارجي : بل رحل عنها وهي كاملة العمارة بينة الحدود قائمة المنار . قال ابن عباس : صدقت ، الآن فخبرني هل كان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد يقوم بعمارة هذه الدار من بعده أم لا ؟ قال الخارجي : بلى ، قد كان له صحابة وأهل بيت ووصي وذرية يقومون بعمارة هذه الدار من بعده . قال ابن عباس : ففعلوا أم لم يفعلوا ؟ قال الخارجي : بلى ، قد فعلوا وعمروا هذه الدار من بعده . قال ابن عباس : فخبرني الآن عن هذه الدار من بعده هل هي اليوم على ما تركها محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كمال عمارتها وقوام حدودها أم هي خربة عاطلة الحدود ؟ قال الخارجي : بل هي عاطلة الحدود خربة . قال ابن عباس : أفذريته وليت هذه الخراب أم أمته ؟ قال : بل أمته . قال : قال ابن عباس : أفأنت من الأمة أو من الذرية ؟ قال : أنا من الأمة . قال ابن عباس : يا عتاب ! فخبرني الآن عنك كيف ترجو النجاة من النار وأنت من أمة قد أخربت دار الله ودار رسوله وعطلت حدودها ؟ فقال الخارجي : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ويحك يا بن عباس ! احتلت والله حتى أوقعتني في أمر عظيم وألزمتني الحجة حتى جعلتني ممن أخرب دار الله ، ولكن ويحك يا بن عباس ! فكيف الحيلة في التلخيص مما أنا فيه ؟ قال ابن عباس : الحيلة في ذلك أن تسعى في عمارة ما